عبد الحي بن فخر الدين الحسني
59
نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر
عنه الطريقة ، وسافر معه إلى الحرمين الشريفين سنة سبع وثلاثين ومائتين وألف فحج وزار ورجع معه إلى الهند ، وساح البلاد والقرى بأمره سنتين ، فانتفع به خلق لا يحصون بحد وعد ، ثم سافر معه إلى الحدود سنة إحدى وأربعين ومائتين وألف ، فجاهد معه في سبيل اللّه ، وكان كالوزير للامام ، يجهز الجيوش ، ويقتحم في المعارك العظيمة بنفسه ، حتى استشهد في « بالاكوت « 1 » » من أرض « ياغستان » . وكان نادرة من نوادر الزمان وبديعة من بدائعه الحسان ، مقبلا على اللّه بقلبه وقالبه ، مشتغلا بالإفادة والعبادة ، مع تواضع وحسن أخلاق وكرم وعفاف وشهامة نفس وصلابة دين وحسن محاضرة وقوة عارضة وفصاحة ورجاحة ، فإذا جالسه منحرف الأخلاق أو من له في المسائل الدينية بعض شقاق جاء من سحر بيانه بما يؤلف بين الماء والنار ويجمع بين الضب والنون ، فلا يفارقه إلا وهو عنه راض ، وقد وقع مع أهل عصره قلاقل وزلازل وصار أمره أحدوثة ، وجرت فتن عديدة في حياته وبعد مماته ، والناس قسمان في شأنه فبعض منهم مقصر به عن المقدار الذي يستحقه بل يريعه بعظائم ، وبعض آخر يبالغ في وصفه ويتعصب له كما يتعصب أهل القسم الأول ، هذه قاعدة مطردة في كل من يفوق أهل عصره في أمر . وأما مختاراته في المسائل الشرعية : فمنها أنه ذهب إلى أن رفع اليدين في الصلاة عند الافتتاح والركوع والقيام منه والقيام إلى الثالثة سنة غير مؤكدة من سنن الهدى فيثاب فاعله بقدر ما فعل ، إن دائما فبحسبه وإن مرة فبمثله ، ولا يلام تاركه وإن تركه مدة عمره ، ومنها أن رفع المسبحة في أثناء التشهد عند التلفظ بكلمة التوحيد ثابت بحيث لا مرد له ، وإن في مسألة القراءة خلف الإمام
--> ( 1 ) تقع بالاكوت الآن في باكستان ، وهو في وادى « كاغان » بين جبلين شامخين ، وكانت هذه المنطقة كلها تسمى « ياغستان » قديما ( الندوى ) .